أحمد ياسوف

183

دراسات فنيه في القرآن الكريم

طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين » « 1 » ، تذكرنا بمظاهر الحيوانية ، لكون البخل متصلا بالجشع والتكالب على الدنيا ، فهذا البخيل يطوق كما تطوق الدابة من عنقها ، ولنا بعد هذا أن نوغل في أبعاد الصورة ، لنتلمس حافة التصوير وتصوّر ما يبخل به مطوقا للأعناق . ويصور فعل « حاق » هذه الدائرة الخانقة كما في الآية الكريمة : فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ النحل : 34 ] ، والآية الكريمة : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الزمر : 48 ] ، إنه تجلّي المجرد وانتقاله إلى محسوس ، ومن ثم اتخاذه حركة دائرية حابسة للجسد والأنفاس . وكثيرا ما يصرّح في القرآن الكريم بلفظ الإحاطة ، كما في الآية الكريمة : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] ، والمعهود أن المكان المغلق يثير الرعب الشديد ، ويزيد رعبا هنا كونه ناريا لا نعرف مدى قوته . ومن الحركات الدائرية دائرة السوء كما في الآية الكريمة في وصف بعض الأعراب : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [ التوبة : 98 ] ، فههنا يتجلى السوء في شكل دائري يحيط بالإنسان ، ومنه ما جاء في وصف المنافقين : يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ [ المائدة : 52 ] . ومنها الحصر وقد عني به الضيق النفسي : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [ النساء : 90 ] ، في وصف بعض المؤمنين ، وقد اعترتهم حيرة بين قتال قومهم وقتال المسلمين ، ويوصف بالحصر أيضا الفقراء كما في

--> ( 1 ) البخاري ، بدء الخلق ، باب ما جاء في سبع أرضين : 3 / 1168 ، ح ( 3026 ) ، ومسلم ، المساقاة ، باب تحريم الظلم وغصب الأرض : 5 / 352 ، ح ( 1610 ) .